علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

24

البصائر والذخائر

38 - قال الحسن البصري رضي اللّه عنه : انظر إلى الدّنيا نظر الزّاهد المفارق ، لا نظر الرّاغب الوامق ، واحذر سرورها وغرورها ، واعتصم بربّك من فتنتها ، فإنّ أقواما اتخذوا ربّهم حرزا ، واتخذوا دينه عزّا . 39 ودخل النّعمان بن بشير على عليّ بن أبي طالب بعد أن قتل عثمان فقال : يا أمير المؤمنين ، لو نصر عثمان كلّ من أحبّه لما طمعت فيه أوباش مصر ولا أوشاب « 1 » أهل العراق ، ولو بسط عليه كلّ من أبغضه لما سلم أحد من أهل الدّار ، ولكنّ المحبّ هاب الخاذل ، والخاذل تركه للقاتل ، فتوهّم الخاذل أنّ المحبّ بإمساكه عن النّصرة موافق له في الخذل ، وتوهّم القاتل أن الخاذل بإظهاره الخذل له مقارب له في القتل ، فعضد بعض الأمور بعضا ، وكان الخذل لتعاضدها أصلا ، وأشدّ ما يقوله اليوم من قبض يده عن نصره : ليتني كنت بسطتها ، وأقصى ما يقوله من بسط يده إلى قتله : ليتني كنت قبضتها ، ورويدا يعلون الجدد « 2 » ، فقال له عليّ عليه السلام : اكفني نفسك يا نعمان ، والحق بأيّ البلاد شئت ؛ فلحق بالشّام . هذا من نوادر الحديث ، والكلام كما ترى مرهف الحدّ ، مسنون الشّبا ، وإلى اللّه المفرّ ، وعليه التوكّل . 40 وأنشد لخارجيّ : [ الوافر ]

--> ( 1 ) الأوشاب : أخلاط الناس وأوباشهم . ( 2 ) ح : الحدود ؛ وقوله : رويدا يعلون الجدد يعني بعد قليل يتضح الأمر ، وهو من الأمثال التي جرت في حرب داحس والغبراء ( والضمير في يعلون يعود إلى الخيل ، ويروى : يعدوان ) ؛ انظر فصل المقال : 127 ومجمع الميداني 1 : 194 وجمهرة العسكري 1 : 489 والفاخر : 218 وأمثال الضبي : 86 والنقائض : 87 .